الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

349

مناهل العرفان في علوم القرآن

سورة بمكة ، وإنما أنزلتا بالمدينة ؟ فقال : قدمتا وألّف القرآن على علم ممن ألّفه به . إلى أن قال : فهذا مما ينتهى إليه ولا يسأل عنه ا ه . ويمكن مناقشة هذا المذهب ( أولا ) : بأن الرواية التي ساقوها وأمثالها خاصّة بمحالها ، فلا ينسحب حكم التوقيف على الكل . ثم هي ظنية في إفادة كون الترتيب عن توقيف . ( ثانيا ) : أن حديث ابن عباس السابق في القول الأول صريح في أن عثمان كان قد اجتهد في ترتيب الأنفال والتوبة ويونس . ( ثالثا ) : أن الإجماع الذي استندوا إليه لا يدل على توقيف في ترتيب جميع السور ؛ لأنه لا يشترط أن يستند الإجماع إلى نص في ترتيب جميع السور ، فحسب الصحابة أن يحملهم الاجتهاد الموفّق على أن يجمعوا على ترتيب عثمان للسور ويتركوا ترتيب مصاحفهم ، توحيدا لكلمة الأمة ، وقطعا لعرق النزاع والفتنة ، إذا ترك كلّ ورأيه في هذا الترتيب . القول الثالث : أن ترتيب بعض السور كان بتوقيف من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وترتيب بعضها الآخر كان باجتهاد من الصحابة وقد ذهب إلى هذا الرأي فطاحل من العلماء . ولعله أمثل الآراء ، لأنه وردت أحاديث تفيد ترتيب البعض كما مرّ بك من الرأي الثاني القائل بالتوقيف ، وخلا البعض الآخر مما يفيد التوقيف . بل وردت آثار تصرح بأن الترتيب في البعض كان عن اجتهاد كالحديث الآنف في القول الأول المروى عن ابن عباس . بيد أن المؤيدين لهذا المذهب اختلفوا في السور التي جاء ترتيبها عن توقيف والسور التي جاء ترتيبها عن اجتهاد . فقال القاضي أبو محمد بن عطية : « إن كثيرا من السور